- آلان دو بوتون، «عمارة السعادة»
- ترجمة: الحارث النبهان
“What we call random is just patterns we can't decipher.” ― Chuck Palahniuk
- آلان دو بوتون، «عمارة السعادة»
- ترجمة: الحارث النبهان
الأصدقاء القدامى
ثمّة أشخاص تكون لنا معهم صداقة لسبب كبير وحيد، لكننا كثيرًا ما نتجاهله أو لا نقيم له وزنًا: عندما نكون مع صديق قديم، نستطيع أن نستعيد مرحلة من رحلة اجتزناها. نكون قادرين على رؤية كيف تغيرنا وتطورنا، وما كان يؤلمنا ذات يوم، أو ما كان يهمنا، أو ما استمتعنا به استمتاعًا عميقًا، لكننا نسيناه تمامًا. الصديق القديم أشبه بقيِّم على ذكريات قد تتفلت منا تفلتًا ضارًا لولا وجوده معنا.
نحن في حاجة إلى الأصدقاء القدامى نتيجة جانب معقد كبير الأهمية من جوانب الطبيعة البشرية، وذلك أننا نجتاز مراحل تطورنا فنتخلى في أثناء ذلك عن أمور كانت تهمنا أو تشغل أذهاننا وينشأ لدينا نوع من "قلة التعاطف" مع آرائنا ومنظوراتنا السابقة. نكون في سن الرابعة عشرة فنعرف الكثير عن الغيظ من الوالدين، ثم يمضي عشرون عامًا فتبدو لنا الفكرة كلها سخفًا أو عقوقًا. إلا أن الصديق القديم يعيد لنا تواصلنا مع "جو" بعينه ويُعرّفنا –مثلما يفعل روائي– على شخصية نسيناها (هي نحن، لكن في زمن مضى) قد تبدو لنا، من غير عونه، غريبة إلى حد غير معقول.
في سن الثانية والعشرين، نجد حياة العزوبية مؤلمة جدًا. نمضي أوقاتًا طويلة مع صديق (أو صديقة)، فيبوح كل للآخر بفيض من أفكاره الحزينة ومن إحساسه بالاغتراب. وفي الخامسة والأربعين، بعد أن تصير من حولنا أسرة، من الممكن أحيانًا أن نجد أنفسنا في عجب مما يجده بعض الناس من مسرة في حياة العزوبية وفي العلاقات العابرة.
إن لدى الصديق القديم أنباء كبيرة الأهمية يحملها إلينا. فنحن نعيش الحياة انطلاقًا من سلسلة متتابعة مكونة من نقاط مختلفة جدًا على مر السنين؛ لكننا نكون ميالين –هذا أمر مفهوم– إلى أن تكون أذهاننا منشغلة بالمحطة الحالية وحدها فننسى "الحِكَم" التي كانت في مراحل سابقة... صحيح أنها "حِكم" غير كاملة، لكنها تظل بالغة الأهمية. يمتلك كل سن نوعًا "متفوقًا" من المعرفة من ميدان من الميادين، وكثيرًا ما ينسى نقله إلى ذواتنا التي تعقُب تلك المرحلة.
ثمّة أهمية كبيرة بالنسبة إلى نمونا وتطورنا وتكاملنا لأن نتذكر الآن "من كنا". يظل أفضل المعلمين أصدقاء لماضيهم، فهم يتذكرون كيف تكون الحال عندما لا يعرف المرء شيئًا عن الأمور التي يعلمونها الآن فلا يتعالون على طلبتهم. ويظل أفضل المديرين على صلة بتجاربهم فيما مضى عندما كانوا لا يزالون في بداية السلّم. ويتذكر أفضل السياسيين تذكرًا واضحًا فترات من حياتهم كانت لهم فيها آراء شديدة الاختلاف عن الآراء التي صارت لديهم الآن؛ وهذا ما يساعدهم في أن يكونوا قادرين على إقناع الجمهور غير المتفق مع آرائهم وفي التعاطف معه. ويظل الآباء والأمهات الناجحون على تواصل مع ما كان لديهم من حساسيات وشعور بالظلم في طفولتهم. ويتذكر الأثرياء الخيّرون كيف يكون إحساس المرء عندما لا يجرؤ على دخول متجر يبيع مأكولات غالية الأثمان. وعلى الدوام، نكون "عشاقًا أفضل على المدى البعيد" إذا كان لدينا قدر من الإخلاص لما عشناه عندما التقينا من نحبهم أول مرة، أي عندما كانت مشاعر العرفان في أوجها.
الأصدقاء القدامى "عامل تفعيل" جوهري لأجزاء ساحرة كبيرة القيمة من ذواتنا نحن في حاجة دائمة إليها لكننا معرضون دائمًا لخطر نسيانها في زحمة الزمن الحاضر.
- آلان دو بوتون، «معنى الحياة»
- ترجمة: الحارث النبهان
![]() |
| Julie Walters, Meryl Streep and Christine Baranski in ‘Mamma Mia!’ (2008) |
Old friends
There are people we are friends with for one major but often maligned or overlooked reason: because we were friends with them some time back. At one stage –and it might be decades ago now– we had a lot in common: we were both good at maths but bad at French at school; we had adjacent rooms at college and helped each other with assignments and commiserated in the bar about failed dates or maddening parents; we were interns in the same big firm with the same bizarre and intemperate boss.
But life has taken us on radically different tracks. Now they’ve got three young children; they moved to the Orkneys where they are managing a fish farm; they’ve gone into politics and have become a junior minister, or they’re working as a ski teacher in the Rocky Mountains. The daily realities of our lives may be miles apart; we may know little of their world and they of ours. If we were introduced today, we’d think each other pleasant enough but would never get close.
Yet it can be hugely helpful and redemptive to catch up with these people with a one-on-one dinner, a walk in the woods or the occasional email. These friends function as conduits to earlier versions of ourselves that are inaccessible day to day but contain important insights.
In the company of an old friend, we can take stock of the journey we have travelled. We get to see how we have evolved, what was once painful, what mattered or what we had wholly forgotten we deeply enjoyed. The old friend is a guardian of memories on which we might otherwise have a damagingly tenuous hold.
We need old friends because of a crucial complexity in human nature. We pass through stages of development and, as we do so, discard previous concerns and develop a lack of empathy around past perspectives. At 14, we knew a lot about resenting our parents. Twenty years later, the whole idea sounds absurd and ungrateful. Yet the old friend reconnects us with a particular atmosphere and, like a novelist, makes us at home with a character –ourselves– who might otherwise seem impossibly alien to us.
At 22, we found single life extremely painful. We hung out a lot with a particular friend and shared a litany of wistful, alienated thoughts. At 45, with a young family around us, we might occasionally find ourselves curious about the joys of single life and of casual hook-ups. The old friend has crucial news to impart. We experience life from a succession of very different vantage points over the decades, but –understandably– tend to be preoccupied only with the present vista, forgetting the particular, incomplete but still crucial wisdom contained in earlier phases. Every age possesses a superior kind of knowledge in some area, which it usually forgets to hand on to succeeding selves.
Remembering what it was like not to be who we are now is vital to our growth and integrity. The best professors remain friends with their past. They remember what it was like not to know about their special topic, and so don’t talk over the heads of their students. The best bosses are in touch with their own experience of starting out as a lowly employee. The best politicians clearly recall periods in their lives when they held very different views to the ones they have now formulated, which allows them to persuade and empathise with hostile constituencies. Good parents keep in touch with the feelings of injustice and sensitivity they had in early childhood. Kindly wealthy people remember what it was like not to dare to walk into a costly food shop. We are always better long-term lovers if we have an avenue of loyalty back to who we were when we first met our beloveds and were at an apogee of gratitude and modesty.
Old friends are key activators of fascinating and valuable parts of the self that we need, but are always at risk of forgetting, in the blinkered present.
― Alan De Botton, The Meaning of Life (The School of Life)
من الممكن أن يبدو الأمر وكأن المال هو بغيتنا الأولى من عملنا، لكن من المفاجئ كم يبلغ إصرارنا على أن يكون عملنا «ذا معنى». قد يحقق العمل دخلا طيبا ويعطي صاحبه مكانة رفيعة، لكن من الممكن آخر الأمر -إن لم يكن «ذا معنى»- أن يخنقه ويسحق روحه.
فما الذي نعنيه عندما نقول عن عمل إنه «ذو معنى»؟ إنه العمل الذي يعين الآخرين ويكون له دور يلعبه في إدخال السعادة إلى قلوب أشخاص غرباء. مَهْما ظَننا أنفسنا أنانيين فنحن نظل تواقين إلى أن يفضي الجهد الذي نبذله في العمل إلى تقليل معاناة بعض الناس، أو إلى زيادة مسرتهم. نحن تواقون إلى الإحساس بأننا استطعنا أن نجعل زاوية صغيرة من هذا العالم أفضل قليلًا نتيجة ما بذلناه من جهد أو تفكير.
خلال الشطر الأكبر من حياتنا، نكون عاجزين عن تغيير الظروف نحو الأفضل. نكون واقعين تحت رحمة قوى كبيرة لا يد لنا فيها. لا نستطيع تغيير نتيجة انتخابات، ولا نستطيع الحيلولة دون إقدام واحد من أصدقائنا على زواج فاشل ولا نستطيع إيجاد حل لتوترات السياسة العالمية. لكن العمل قادر على أن يزيح عنا هذه المشاعر: ضمن ميدان محدود، لدينا قدرة نستطيع ضمان أن يتلقى أحدهم رزمة بريدية في الوقت المحدد، أو أن يفهم مسائل الحساب، أو أن يتناول الدجاج المشوي جيدًا، أو أن ينام على ملاءة مكوية كيًا متقنًا. نستطيع اقتفاء الصلة بين ما يتعين علينا فعله خلال الساعات القادمة وبين المساهمة الحقيقية وإن تكن مساهمة متواضعة في تحسين عيش بني البشر .
إن ما يميز بين يوم حسن ويوم سيء، ليس بالضرورة أن نكون قد أمضيناه من غير توتر، أو أن نكون قد عدنا إلى البيت في وقت مبكر . الفرق كامن في قدرتنا على أن نستمد إحساسًا ملموسًا بأنه كان لنا أثر حسن في حياة الآخرين. بكل بساطة، يتضح لنا أنه ليس كافيا أن نجعل أنفسنا سعداء.
- آلان دو بوتون، «معنى الحياة»
- ترجمة: الحارث النبهان
![]() |
| "Helping Hands" by Paddy Spoelder. |
- د. جابور ماتيه، «في عالم الأشباح الجائعة»- ترجمة: إيمان سعودي
يظهر الضغط بطريقتين: إما كاستجابة فورية لخطر، وإما كحالة مطوَّلة تستحثها ضغوط خارجية أو عوامل نفسية داخلية. في حين يُعد الضغط الحاد استجابة ضرورية تصون سلامتنا الجسدية والنفسية، فإن الضغط المزمن، المستمر بلا انقطاع، يقوض كليهما. فالغضب الظرفي مثلا هو شكل من أشكال الضغط الحاد الموجه لغرض بَنَّاء -مثل الدفاع عن النفس أو وضع حدود شخصية- يجعل عقلنا أكثر انتباها، وأطرافنا أقوى وأسرع. أما الغضب المزمن، فيغمر الجسم بهرمونات الضغط فترة طويلة بعد الحدث. ويمكن لهذا الفيض الهرموني، أيا كان منشؤه، على المدى الطويل أن:
- يصيبنا بالقلق أو الاكتئاب،
- ويثبط المناعة،
- ويؤجج الالتهابات،
- ويضيق الأوعية الدموية، مما يعزز اعتلالاتها في جميع أنحاء الجسم،
- ويستحث نمو السرطانات،
- ويُضعف كثافة العظام،
- ويورث مقاومة الإنسولين الذاتي، مسببًا مرض السكري،
- ويؤدي إلى تراكم الدهون البطنية، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأيض،
- ويعطل دوائر الإدراك والعاطفة الأساسية في الدماغ،
- ويرفع ضغط الدم، ويزيد من تجلطه، ما يزيد من خطر الإصابة بنوبات القلب أو سكتات الدماغ.
– جابور ماتيه، خرافة العادي
– ترجمة: إيمان سعودي
![]() |
| Guernica, by: Pablo Picasso. Painted by: Paco Valero |
– Gabor Maté, The Myth of Normal
عندما أصدر أحكامًا قاسية على أحد، فذلك لأنني أستشعر أو أرى انعكاس أحد جوانب نفسي فيه، جانب لا أرغب في الاعتراف به. وهنا لا أتحدث عن انتقادى سلوك شخص آخر بموضوعية، وإنما عن نبرة الفوقية التي تميز الأحكام الشخصية، وتلون آرائي. إذا امتعضت من شخص مقرب مثلا واصفًا إياه بأنه «متسلط»، فربما كان ذلك بسبب عجزي عن فرض إرادتي، وقد أنفعل ضد شخص آخر لأن لديه صفة أمتلكها، صفة لا أحبها، ولكنني لا أرغب فى الاعتراف بها: على سبيل المثال، ميل إلى التحكم في الآخرين. كما ذكرت في أحد الفصول السابقة، أشجب الصحفيين المناصرين لليمين. يظل رأيي ثابتا إلى حد ما: فآراؤهم تعتمد على قراءة انتقائية للحقائق، ونابعة من نكران الواقع. ولكن ما يتغير من يوم إلى آخر هو الشحنة العاطفية التي تغذي رأيي. ففي بعض الأحيان أرفضهم بعدائية شديدة، وفي أوقات أخرى أرى أن وجهة نظرهم هي إحدى الطرائق الممكنة للنظر إلى الأمور.
- د. جابور ماتيه، «في عالم الأشباح الجائعة»- ترجمة: إيمان سعودي
![]() |
| © Bernard Vaillant |
- Gabor Maté, In the realm of hungry ghosts
Leandro Bassano, La Riva dei Schiavoni a Venezia إن من يجعلون الجمال المعماري عمل حياتهم كلها مدركون أحسن إدراك كم يمكن أن يكون ...