Wednesday, May 6, 2026

Those were the days my friend,

 الأصدقاء القدامى


ثمّة أشخاص تكون لنا معهم صداقة لسبب كبير وحيد، لكننا كثيرًا ما نتجاهله أو لا نقيم له وزنًا: عندما نكون مع صديق قديم، نستطيع أن نستعيد مرحلة من رحلة اجتزناها. نكون قادرين على رؤية كيف تغيرنا وتطورنا، وما كان يؤلمنا ذات يوم، أو ما كان يهمنا، أو ما استمتعنا به استمتاعًا عميقًا، لكننا نسيناه تمامًا. الصديق القديم أشبه بقيِّم على ذكريات قد تتفلت منا تفلتًا ضارًا لولا وجوده معنا.


نحن في حاجة إلى الأصدقاء القدامى نتيجة جانب معقد كبير الأهمية من جوانب الطبيعة البشرية، وذلك أننا نجتاز مراحل تطورنا فنتخلى في أثناء ذلك عن أمور كانت تهمنا أو تشغل أذهاننا وينشأ لدينا نوع من "قلة التعاطف" مع آرائنا ومنظوراتنا السابقة. نكون في سن الرابعة عشرة فنعرف الكثير عن الغيظ من الوالدين، ثم يمضي عشرون عامًا فتبدو لنا الفكرة كلها سخفًا أو عقوقًا. إلا أن الصديق القديم يعيد لنا تواصلنا مع "جو" بعينه ويُعرّفنا –مثلما يفعل روائي– على شخصية نسيناها (هي نحن، لكن في زمن مضى) قد تبدو لنا، من غير عونه، غريبة إلى حد غير معقول.


في سن الثانية والعشرين، نجد حياة العزوبية مؤلمة جدًا. نمضي أوقاتًا طويلة مع صديق (أو صديقة)، فيبوح كل للآخر بفيض من أفكاره الحزينة ومن إحساسه بالاغتراب. وفي الخامسة والأربعين، بعد أن تصير من حولنا أسرة، من الممكن أحيانًا أن نجد أنفسنا في عجب مما يجده بعض الناس من مسرة في حياة العزوبية وفي العلاقات العابرة.


إن لدى الصديق القديم أنباء كبيرة الأهمية يحملها إلينا. فنحن نعيش الحياة انطلاقًا من سلسلة متتابعة مكونة من نقاط مختلفة جدًا على مر السنين؛ لكننا نكون ميالين –هذا أمر مفهوم– إلى أن تكون أذهاننا منشغلة بالمحطة الحالية وحدها فننسى "الحِكَم" التي كانت في مراحل سابقة... صحيح أنها "حِكم" غير كاملة، لكنها تظل بالغة الأهمية. يمتلك كل سن نوعًا "متفوقًا" من المعرفة من ميدان من الميادين، وكثيرًا ما ينسى نقله إلى ذواتنا التي تعقُب تلك المرحلة.


ثمّة أهمية كبيرة بالنسبة إلى نمونا وتطورنا وتكاملنا لأن نتذكر الآن "من كنا". يظل أفضل المعلمين أصدقاء لماضيهم، فهم يتذكرون كيف تكون الحال عندما لا يعرف المرء شيئًا عن الأمور التي يعلمونها الآن فلا يتعالون على طلبتهم. ويظل أفضل المديرين على صلة بتجاربهم فيما مضى عندما كانوا لا يزالون في بداية السلّم. ويتذكر أفضل السياسيين تذكرًا واضحًا فترات من حياتهم كانت لهم فيها آراء شديدة الاختلاف عن الآراء التي صارت لديهم الآن؛ وهذا ما يساعدهم في أن يكونوا قادرين على إقناع الجمهور غير المتفق مع آرائهم وفي التعاطف معه. ويظل الآباء والأمهات الناجحون على تواصل مع ما كان لديهم من حساسيات وشعور بالظلم في طفولتهم. ويتذكر الأثرياء الخيّرون كيف يكون إحساس المرء عندما لا يجرؤ على دخول متجر يبيع مأكولات غالية الأثمان. وعلى الدوام، نكون "عشاقًا أفضل على المدى البعيد" إذا كان لدينا قدر من الإخلاص لما عشناه عندما التقينا من نحبهم أول مرة، أي عندما كانت مشاعر العرفان في أوجها.


الأصدقاء القدامى "عامل تفعيل" جوهري لأجزاء ساحرة كبيرة القيمة من ذواتنا نحن في حاجة دائمة إليها لكننا معرضون دائمًا لخطر نسيانها في زحمة الزمن الحاضر.


- آلان دو بوتون، «معنى الحياة»
- ترجمة: الحارث النبهان 

 

Julie Walters, Meryl Streep and Christine Baranski in ‘Mamma Mia!’ (2008)


Old friends


There are people we are friends with for one major but often maligned or overlooked reason: because we were friends with them some time back. At one stage –and it might be decades ago now– we had a lot in common: we were both good at maths but bad at French at school; we had adjacent rooms at college and helped each other with assignments and commiserated in the bar about failed dates or maddening parents; we were interns in the same big firm with the same bizarre and intemperate boss.


But life has taken us on radically different tracks. Now they’ve got three young children; they moved to the Orkneys where they are managing a fish farm; they’ve gone into politics and have become a junior minister, or they’re working as a ski teacher in the Rocky Mountains. The daily realities of our lives may be miles apart; we may know little of their world and they of ours. If we were introduced today, we’d think each other pleasant enough but would never get close.


Yet it can be hugely helpful and redemptive to catch up with these people with a one-on-one dinner, a walk in the woods or the occasional email. These friends function as conduits to earlier versions of ourselves that are inaccessible day to day but contain important insights.


In the company of an old friend, we can take stock of the journey we have travelled. We get to see how we have evolved, what was once painful, what mattered or what we had wholly forgotten we deeply enjoyed. The old friend is a guardian of memories on which we might otherwise have a damagingly tenuous hold.


We need old friends because of a crucial complexity in human nature. We pass through stages of development and, as we do so, discard previous concerns and develop a lack of empathy around past perspectives. At 14, we knew a lot about resenting our parents. Twenty years later, the whole idea sounds absurd and ungrateful. Yet the old friend reconnects us with a particular atmosphere and, like a novelist, makes us at home with a character –ourselves– who might otherwise seem impossibly alien to us.


At 22, we found single life extremely painful. We hung out a lot with a particular friend and shared a litany of wistful, alienated thoughts. At 45, with a young family around us, we might occasionally find ourselves curious about the joys of single life and of casual hook-ups. The old friend has crucial news to impart. We experience life from a succession of very different vantage points over the decades, but –understandably– tend to be preoccupied only with the present vista, forgetting the particular, incomplete but still crucial wisdom contained in earlier phases. Every age possesses a superior kind of knowledge in some area, which it usually forgets to hand on to succeeding selves.


Remembering what it was like not to be who we are now is vital to our growth and integrity. The best professors remain friends with their past. They remember what it was like not to know about their special topic, and so don’t talk over the heads of their students. The best bosses are in touch with their own experience of starting out as a lowly employee. The best politicians clearly recall periods in their lives when they held very different views to the ones they have now formulated, which allows them to persuade and empathise with hostile constituencies. Good parents keep in touch with the feelings of injustice and sensitivity they had in early childhood. Kindly wealthy people remember what it was like not to dare to walk into a costly food shop. We are always better long-term lovers if we have an avenue of loyalty back to who we were when we first met our beloveds and were at an apogee of gratitude and modesty.


Old friends are key activators of fascinating and valuable parts of the self that we need, but are always at risk of forgetting, in the blinkered present.


  Alan De Botton, The Meaning of Life (The School of Life)


Friday, April 17, 2026

عن المعنى

من الممكن أن يبدو الأمر وكأن المال هو بغيتنا الأولى من عملنا، لكن من المفاجئ كم يبلغ إصرارنا على أن يكون عملنا «ذا معنى». قد يحقق العمل دخلا طيبا ويعطي صاحبه مكانة رفيعة، لكن من الممكن آخر الأمر -إن لم يكن «ذا معنى»- أن يخنقه ويسحق روحه.


فما الذي نعنيه عندما نقول عن عمل إنه «ذو معنى»؟ إنه العمل الذي يعين الآخرين ويكون له دور يلعبه في إدخال السعادة إلى قلوب أشخاص غرباء. مَهْما ظَننا أنفسنا أنانيين فنحن نظل تواقين إلى أن يفضي الجهد الذي نبذله في العمل إلى تقليل معاناة بعض الناس، أو إلى زيادة مسرتهم. نحن تواقون إلى الإحساس بأننا استطعنا أن نجعل زاوية صغيرة من هذا العالم أفضل قليلًا نتيجة ما بذلناه من جهد أو تفكير.


خلال الشطر الأكبر من حياتنا، نكون عاجزين عن تغيير الظروف نحو الأفضل. نكون واقعين تحت رحمة قوى كبيرة لا يد لنا فيها. لا نستطيع تغيير نتيجة انتخابات، ولا نستطيع الحيلولة دون إقدام واحد من أصدقائنا على زواج فاشل ولا نستطيع إيجاد حل لتوترات السياسة العالمية. لكن العمل قادر على أن يزيح عنا هذه المشاعر: ضمن ميدان محدود، لدينا قدرة نستطيع ضمان أن يتلقى أحدهم رزمة بريدية في الوقت المحدد، أو أن يفهم مسائل الحساب، أو أن يتناول الدجاج المشوي جيدًا، أو أن ينام على ملاءة مكوية كيًا متقنًا. نستطيع اقتفاء الصلة بين ما يتعين علينا فعله خلال الساعات القادمة وبين المساهمة الحقيقية وإن تكن مساهمة متواضعة في تحسين عيش بني البشر .


إن ما يميز بين يوم حسن ويوم سيء، ليس بالضرورة أن نكون قد أمضيناه من غير توتر، أو أن نكون قد عدنا إلى البيت في وقت مبكر . الفرق كامن في قدرتنا على أن نستمد إحساسًا ملموسًا بأنه كان لنا أثر حسن في حياة الآخرين. بكل بساطة، يتضح لنا أنه ليس كافيا أن نجعل أنفسنا سعداء.

 

- آلان دو بوتون، «معنى الحياة»
- ترجمة: الحارث النبهان 
"Helping Hands" by Paddy Spoelder.
"


Monday, April 13, 2026

الرفقة والاهتمام

 في أحوال «الرفقة» العادية، لا نستطيع الإفصاح عن كل ما يجري في خاطرنا: يكون شطر كبير من الحوارات الجارية داخلنا تافها أو متوترًا أو عشوائيا أو مشحونًا بالقلق فلا يصح اعتباره مما قد يثير اهتمام الآخرين. من المفهوم أن معارفنا يتوقعون أن يكون أصدقاؤهم «بشرًا طبيعيين»؛ ونحن لا نستطيع أن نخيب تلك التوقعات.

علينا أيضًا أن نتصرف بقدر من التهذيب. فما من أحد يعجبه أن يكون مع أشخاص غاضبين أو مسكونين بالهواجس أو بالمرارة والطباع الغريبة. إلا أننا لا نستطيع اصطناع سلوكنا أو التشدق بما ليس فينا. يعني هذا أن إدخالنا «تصحيحات جذرية» على ذواتنا الحقيقية هو الثمن الذي لا بد من دفعه مقابل استمرار تلك الرفقة.

علينا أيضًا قبول أن قسمًا كبيرًا من «حقيقة ذواتنا» لن يكون سهل الفهم. وسوف يُقابل بعض من أعمق ما يشغل بالنا بعجز عن فهمه، أو بضجر، أو خوف منه. ولن يهتم بنا أكثر الناس. ولن يحظى أعمق ما لدينا من أفكار إلا باهتمام بسيط جدا. سيكون علينا أن نبقى في أذهان الجميع، أشخاصا لطيفين، لكنهم مجتزئين إلى أقصى حد.

 - آلان دو بوتون، «معنى الحياة»
- ترجمة: الحارث النبهان 
Friendship, by Jan Farthing


 





Sunday, June 29, 2025

المعنى وغيابه

 

Place des Lices, Paul Signac


تحاول ثقافتنا المادية تفسير الإيثار على أنه نابع من دوافع أنانية. وكثيرًا ما يُقال بسخرية إن الأشخاص الذين يتصرفون بلطف، دون أي منفعة تعود عليهم، لا يفعلون ذلك إلا من أجل الشعور بالرضا. لا يدعم علم الأعصاب هذا الرأي، فمنطقة الدماغ التي تضيء عندما يتصرف الشخص بطريقة إيثارية صرفة ليست هي الدوائر التى تنشطها المتعة أو توقع المكافأة. وفقا لدراسة حديثة، فإن أحد العوامل الرئيسة المساهِمة في السلوك الإنساني هو القشرة الصدغية الخلفية العليا، وهي منطقة في مؤخرة الدماغ تتضمن وظيفتها الوعي بالحالة العاطفية للآخرين. يبدو أننا مبرمجون على التناغم مع احتياجات بعضنا، وهذا هو أحد جذور التعاطف. «ربما لا ينبع الفعل الإيثاري من رغبة متوهجة دافئة في فعل الخير، وإنما من الاعتراف البسيط بأن ذلك الشيء هناك هو إنسان له نيات وأهداف وبالتالي أريد أن أعامله كما أحب أن يعاملني»، هكذا يقول سكوت هيتل، أحد الباحثين في الدراسة، الأستاذ المساعد في علم النفس بجامعة ديوك الطبية في مدينة دورهام بولاية نورث كارولينا. لعل القاعدة الذهبية محفورة في دارات أدمغتنا، ليس كوصية، بل كجزء أساسي من هويتنا.

ثمة سمة أو رغبة متأصلة في البشر يسميها الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل «البحث عن المعنى». يوجد المعنى في السعي وراء أمور تتجاوز الذات. أغلبنا نعلم في قلوبنا أننا لا نشهد أكبر قدر من الرضا عندما نتلقى شيئًا أو نحصل على شيء، بل عندما نساهم بصدق في رفاهية الآخرين، أو في الصالح الاجتماعي، أو عندما نبتكر شيئًا أصيلا جميلا، أو مجرد شيء يعبر عن الحب. ليست مصادفة أن تنشأ أغلب أنواع الإدمان في المجتمعات التي تُسّخِر الأهداف الجماعية والتقاليد العريقة والإبداع الفردي للإنتاج الضخم وتراكم الثروات. الإدمان هو أحد عواقب «الفراغ الوجودي»، شعور الخواء الذي يولد عندما نعطي قيمة مطلقة للإنجازات الأنانية. كتب فرانكل: «مشهد المخدرات هو جانب واحد لظاهرة جماعية أشمل، ألا وهي شعور اللامعنى الناتج عن تثبيط احتياجاتنا الوجودية، الأمر الذي صار بدوره ظاهرة كونية في مجتمعاتنا الصناعية». يمكننا استبدال «مشهد المقامرة.... مشهد الإسراف في تناول الطعام... مشهد الإفراط في العمل» والعديد من المساعي الإدمانية الأخرى أيضًا بعبارة «مشهد المخدرات».

بعبارة أخرى لا يعيش البشر بالخبز وحده. يمكننا العثور على القوة العليا، حتى وإن لم تقترن بالدين، إذا نظرنا خارج أنفسنا ووجدنا علاقة ذات معنى تربطنا بالكون وتتجاوز احتياجاتنا الأنانية. لقد رأينا أن الإدمان ينشأ من التفكك. وغياب المعنى هو تفكك آخر لا يمكننا نحن البشر، نحن المخلوقات الروحانية، احتماله. لا بد أن يميز كل واحد فينا المعنى، وأن يعثر عليه بطريقته الخاصة، ولكن كما قال أحد زملاء الدكتور فرانكل في فيينا، الدكتور ألفريد الانجليه، في حديثه الأخير بفانكوفر : «لن ينبثق المعنى إلا بخوض حوار مع العالم».

الجزء الأكبر من مقاومة البشر لمفهوم القوة العليا، على الرغم من أنه يظهر كرفض عقلاني للمعتقدات الدينية، هو في الواقع مقاومة الأنا للضمير والوعي الروحي، للصوت بداخلنا الذي يعترف بالحقيقة ويرغب في تبجيلها. تخشى الأنا الجشعة أن تُبادَ في انحنائها لشيء أعظم، سواء كان «الرب»، أو احتياجات الآخرين، أو حتى احتياجاتنا الأسمى.


 - د. جابور ماتيه، «في عالم الأشباح الجائعة»
- ترجمة: إيمان سعودي

Friday, May 2, 2025

تؤذي النفس نفسها، أول ما تؤذي، حين تستسلم للغضب

يظهر الضغط بطريقتين: إما كاستجابة فورية لخطر، وإما كحالة مطوَّلة تستحثها ضغوط خارجية أو عوامل نفسية داخلية. في حين يُعد الضغط الحاد استجابة ضرورية تصون سلامتنا الجسدية والنفسية، فإن الضغط المزمن، المستمر بلا انقطاع، يقوض كليهما. فالغضب الظرفي مثلا هو شكل من أشكال الضغط الحاد الموجه لغرض بَنَّاء -مثل الدفاع عن النفس أو وضع حدود شخصية- يجعل عقلنا أكثر انتباها، وأطرافنا أقوى وأسرع. أما الغضب المزمن، فيغمر الجسم بهرمونات الضغط فترة طويلة بعد الحدث. ويمكن لهذا الفيض الهرموني، أيا كان منشؤه، على المدى الطويل أن:


- يصيبنا بالقلق أو الاكتئاب،
- ويثبط المناعة،
- ويؤجج الالتهابات،
- ويضيق الأوعية الدموية، مما يعزز اعتلالاتها في جميع أنحاء الجسم،
- ويستحث نمو السرطانات،
- ويُضعف كثافة العظام،
- ويورث مقاومة الإنسولين الذاتي، مسببًا مرض السكري،
- ويؤدي إلى تراكم الدهون البطنية، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأيض،
- ويعطل دوائر الإدراك والعاطفة الأساسية في الدماغ،
- ويرفع ضغط الدم، ويزيد من تجلطه، ما يزيد من خطر الإصابة بنوبات القلب أو سكتات الدماغ.

– جابور ماتيه، خرافة العادي

– ترجمة: إيمان سعودي 

Guernica, by: Pablo Picasso. Painted by: Paco Valero

 Stress can show up in two forms: as an immediate reaction to a threat, or as a prolonged state induced by external pressures or internal emotional factors. While acute stress is a necessary reaction that helps maintain our physical and mental integrity, chronic stress, ongoing and unrelieved, undermines both. Situational anger, for example, is an instance of acute stress being marshaled for a positive purpose— think self-defense or setting interpersonal boundaries. It makes us more alert of mind, quicker, and stronger of limb. Chronic rage, by contrast, floods the system with stress hormones long past the allotted time. Over the long term, such a hormonal surplus, whatever may have instigated it, can:

• make us anxious or depressed;
• suppress immunity;
• promote inflammation;
• narrow blood vessels, promoting vascular disease throughout the body;
• encourage cancer growth;
• thin the bones;
• make us resistant to our own insulin, inducing diabetes;
• contribute to abdominal obesity, elevating the risk of cardiovascular and metabolic problems;
• impair essential cognitive and emotional circuits in the brain; and
• elevate blood pressure and increase blood clotting, raising the risk of heart attacks or strokes.

– Gabor Maté, The Myth of Normal 


Saturday, February 15, 2025

انعكاسات

 عندما أصدر أحكامًا قاسية على أحد، فذلك لأنني أستشعر أو أرى انعكاس أحد جوانب نفسي فيه، جانب لا أرغب في الاعتراف به. وهنا لا أتحدث عن انتقادى سلوك شخص آخر بموضوعية، وإنما عن نبرة الفوقية التي تميز الأحكام الشخصية، وتلون آرائي. إذا امتعضت من شخص مقرب مثلا واصفًا إياه بأنه «متسلط»، فربما كان ذلك بسبب عجزي عن فرض إرادتي، وقد أنفعل ضد شخص آخر لأن لديه صفة أمتلكها، صفة لا أحبها، ولكنني لا أرغب فى الاعتراف بها: على سبيل المثال، ميل إلى التحكم في الآخرين. كما ذكرت في أحد الفصول السابقة، أشجب الصحفيين المناصرين لليمين. يظل رأيي ثابتا إلى حد ما: فآراؤهم تعتمد على قراءة انتقائية للحقائق، ونابعة من نكران الواقع. ولكن ما يتغير من يوم إلى آخر هو الشحنة العاطفية التي تغذي رأيي. ففي بعض الأحيان أرفضهم بعدائية شديدة، وفي أوقات أخرى أرى أن وجهة نظرهم هي إحدى الطرائق الممكنة للنظر إلى الأمور.


من الناحية الظاهرية، تبدو الاختلافات واضحة: فهم يدعمون الحروب التي أعارضها، ويبررون سياسات لا أحبها. يمكنني أن أخبر نفسي أننا مختلفون. ولكن الأحكام الأخلاقية لا تدور أبدًا حول الواضح، إنما تخاطب على الدوام التشابهات الكامنة بين الحاكم والمحكوم عليه. أحكامي على الآخرين هي مؤشر دقيق على الطريقة التي أرى بها نفسي تحت السطح. العمى المتعمد بداخلي هو ما يدين الآخر بأنه يضلل نفسه، أنانيتي هي ما يتهم الآخر بأنه ذو مصالح ذاتية، غياب المصداقية لدي هو ما يحكم على الآخر بالزيف. أعتقد أن الحال نفسها تنطبق على كل الأحكام الأخلاقية التي يصدرها الناس على بعض، وينطبق على كل الأحكام المجتمعية المتشددة التي يفرضها المجتمع على أفراده.

 - د. جابور ماتيه، «في عالم الأشباح الجائعة»
- ترجمة: إيمان سعودي

© Bernard Vaillant

When I am sharply judgmental of any other person, it’s because I sense or see reflected in them some aspect of myself that I don’t want to acknowledge. I’m speaking here not of my critique of another person’s behavior in objective terms but of the self-righteous tone of personal judgment that colors my opinion. If, for example, I resent some person close to me as “controlling,” it may be owing to my own inability to assert myself. Or I may react against another person because he or she has a trait that I myself have—and dislike—but don’t wish to acknowledge: for example, a tendency to want to control others. As I mentioned in a previous chapter, some mornings I vituperate about right-wing political columnists. My opinion remains more or less constant: their views are based on a highly selective reading of the facts and are rooted in a denial of reality. What does vary from day to day is the emotional charge that infuses my opinion. Some days I dismiss them with intense hostility; at other times I see their perspective as one possible way of looking at things, as an interpretation of their experience of life.

On the surface, the differences are obvious: they support wars I oppose and justify policies I dislike. I can tell myself that we’re different. Moral judgments, however, are never about the obvious: they always speak to the underlying similarities between the judge and the condemned. My judgments of others are an accurate gauge of how, beneath the surface, I feel about myself. It’s only the willful blindness in me that condemns others for deluding themselves; my own selfishness that excoriates others for being self-serving; my lack of authenticity that judges falsehood in others. It is the same, I believe, for all moral judgments people cast on each other and for all vehemently held communal judgments a society visits upon its members.



- Gabor Maté, In the realm of hungry ghosts


Tuesday, December 31, 2024

ذاكرة البحر

 

© Ahmad Eddeeb

كنت أسير في طريقي المعتاد ذلك اليوم، إلا إنني عندما مررت بالبحر شعرت أنه مختلف. هل حقا كان يبدو مختلفا أم أن رؤيتي له هي التي تختلف تبعا لإحساسي؟
وقفت أتأمله برهبة. كان الجو عاصفا، إلا أن البحر كان يبدو في أبهى حالاته، كلوحة من ثلاث درجات من الأزرق تغطيها السماء بدرجتها الرابعة، ويتخلل هذه الزرقة سحب وأمواج بيضاء تزيد اللوحة سحرا و تناغما.
أنظُر للبحر طويلا فيغمرني الاسترخاء، وأنسى الجو العاصف من حولي. وعلى الرغم مني، أغوص في ذكرياتي، فتأتيني ذكريات لطالما اعتقدتُ أني نسيتُها، أو أخرى جاهدتُ كثيرا لأنساها.
أبُث للبحر بأفكاري في صمت. لكم أنت غريب أيها البحر! منذ آلاف السنين تستمع إلى حكاياتنا وأفكارنا. تشهد معنا حيواتنا، أفراحنا ومعاناتنا، إلا إنك ما زلتَ جميلا ساحرا مهيبا. لكم أتفهَّم  ثورتك من حين لآخر عندما تؤلمك كل هذه الذكريات. ترى كم من شخص وقف في هذه البقعة قبلي ليحدثك كما أفعل الآن؟

**********


وقف الإسكندر على شاطئ البحر في هذه المنطقة النائية من أرض مصر ينظر إلى الأفق البعيد مفكرا في الشاطيء الآخر، وعلى الرغم منه خرجَت زفرة تحمل بعضا من آلامه التي يحاول جاهدا طردها.
تأمل المياه مأخوذا بصفائها ولونها العجيب. فعلى الرغم من طول رحلاته قبل أن يصل إلى مصر، إلا إنه لم يَرَ في مثل بهاء هذا الشاطئ. نظر للمياه مليا وزفر ثانية وهو يتذكر النصر الذي حققه حتى الآن منذ أن بدأ حربه هذه ضد الفرس. كم يتوق للعودة إلى مقدونيا ويشتاق إلى حياته التي كانت! مازال يذكر إطراءات أرسطو معلمه الخاص وتنبؤاته له بمكانة عظيمة وسط علماء البلاد. لكن الأقدار لا تأتينا دائما بما نبتغي، فها هو قائد جيوش في حرب لا يعلم لها آخِر.
وعلى الرغم من انتصاراته إلا إنه ما زال يتوق للعودة. يستزيد دائما من الانتصارات علها ترضيه، بلا فائدة. وبكل ما يحمل في أعماقه من حنين للشاطئ الآخر، تلفَّت حوله متأملا تلك المنطقة وفكَّر: ربما تكون هذه المنطقة هي حلقة الوصل بيني وبين بلادي. لأنشئ عاصمة جديدة لمصر هنا، لتحمل دائما اسمي وذكرياتي.


**********

وقف أرشميدس على شاطئ البحر دون أن يحِّرك ساكنًا لِما يقترب من الساعة، حتى ليخيل لمن يمر أنه مجرد تمثال، إلا إن أهالي البلدة كانوا قد اعتادوا منه مثل هذه التصرفات العجيبة، فلم يعد أحد يعبأ بذلك.
و على الرغم من الهدوء البادي على وجهه، كان عقله يعمل بجنون طوال هذه الساعة، حتى إنه لم يلحظ جمال البحر ذلك اليوم، والذي كان دائما سببا لاسترخائه و إلهامه كلما واجهَته معضلة ما.
كان ما طلبه منه الملك هذه المرة غريبا. كان يريد منه أن يؤكد له إن كان تاجه الجديد قد صُنع من الذهب الخالص دون أن يُخلط بالفضة. فقد كان يشك في الصائغ الذي صنعه، وكان يريد من أرشميدس أن يكشف ذلك دون أن يتلف التاج. ويا له من طلب: التاج أو رقبته!
نفض رأسه بعنف شاعرا بالغضب لعجزه عن الوصول لأي حل، و قال صارخا: ألن تساعدني هذه المرة أيها البحر؟ أين ذهبَت كل أفكارك و أفكاري؟
استمع الى صوت الامواج المتلاطمة وهي تجيبه في لامبالاة، و هز رأسه و استدار عائدا إلى بيته.


**********


تأملَت كليوباترا السفن التي ترسو على شاطئ البحر بأسى. لَكَم تبدو كوحوش تجثم على قلب المدينة الرقيق، خاصة بعد الخراب الذي حل بالمدينة وأودى بأكثر معالمها جمالا.
وعلى الرغم من الدمار المحيط لم يفُت كليوباترا أن تلحظ البحر في ذلك اليوم، والذي بدا كأروع ما يكون، وهو يتلألأ بزرقة صافية تميل إلى الأبيض في مشهد لم ترَ مثله من قبل، متحديا كل ما فعله البشر في حقه وحق المدينة.
نظرَت إليه طويلا ثم بدأت تحدِّث نفسها في خفوت، أو لعلها كانت تتحدث إلى البحر: لا توجد حرب بلا خسائر، وأنا لم أكن أريد شيئا مثلما أردتُ أن أستعيد عرش مصر الذي سلبه مني ذلك الغبي بطليموس. ربما فقدَت المدينة الكثير من روائعها، ولكن ما زال لديها الكثير لتقدمه لي.


**********


كان الجو في ذلك اليوم من أيام الشتاء عاصفا، والسماء ملبدة بغيوم لا تنتهي، وكان البحر ثائرا لا تتوقف أمواجه عن التخبط عند الشاطئ. إلا إن هذا لم يفت في عضد الشيخ سيد الذي كان يجلس على الصخور يدندن بصوته العذب:

يا فؤادي ليه بتعشق الحبيب قاسي عليَّا
قلبه ظالم لو بيشفق أنا صابر ع الأسِيَّا
خايف أشكي من صدوده يفرحوا عُذَّالي فيَّا


وعلى الرغم من غنائه الذي كان قد بدأ يعلو، إلا إن باله كان مشغولا بأمر آخر.
كان هذا اليوم هو بداية مرحلة جديدة في حياته المليئة بالمراحل المختلفة، فلقد جاء إلى البحر مودعا، حيث إنه سينتقل إلى القاهرة للعمل بفرقة الشيخ سلامة حجازي، وهو ما كان حلما أكبر من أن يتخيل تحققه.
كانت نفسه تعج بالفرحة والحماسة والأمل، فنظر إلى البحر الثائر مليا وقال: قد لا أراك لفترة طويلة، إلا إنك ستكون معي بألحانك، في ألحاني. ثم ارتفع صوته بالغناء ثانية:  

يا حبيبي جُد بنظرة يكفى تيهك والدلال
من بعادك ذاب فؤادي إمتى أفرح بالوصال
قلبي حَبَّك وانت عارف إني مغرم بالجمال


**********

على الرغم من أن الإحتفالات كانت قائمة بطول البلاد، إلا إن مَن كان موجودا في تلك المنطقة من شاطئ البحر كان يشهد وضعا معاكسا تماما. فقد كانت مراسم الترحيل والوداع جنائزية أكثر منها عسكرية أو رسمية.
وقف الملك فاروق ينظر إلى الجمع الذي جاء ليشهد لحظات خروجه بكبرياء، ثم أدار بصره إلى البحر ينظر إليه للحظات قد تكون الأخيرة. كان يراقب الموقف بجمود حتى ليكاد يجزم كل مَن حوله بأن الأمر لم يؤثر فيه بشيء. إلا إن الحسرة والحزن اللذين يعصفان بكيانه كانا أهم أسباب ذلك الجمود.
كان ما زال مشدوها، لا يصدِّق أن هذا كله قد حدث له، وفي هذه الفترة الوجيزة. كم هي غريبة هذه الحياة! كان أمس الملك، واليوم صار مطرودا يبحث عن ملجأ!
نظر إلى البحر مرة أخرى بشوق، ودخل إلى الباخرة.


**********


أشعر بالماء يغمر وجهي بلا مقدمات. فأفيق من برودة الذكريات لأنتبه إلى برودة الجو التي اشتدت من حولي. أرفع وجهي إلى السماء لأجدها قد بدأت تمطر، و يشتد المطر غزارةً مع كل لحظة تمضي.
أضم يديَّ لعلي أجد بعض الدفء، وأبدأ في السير ببطء لأعود إلى طريقي.
وقبل أن يصبح البحر بعيدا عن مرمى بصري، استدرتُ أنظر إليه بابتسامة ممتنة، لعله يحفظ لي في ذاكرته هذا اليوم، وهذه اللحظة.


**********

 

15/03/2010

Those were the days my friend,

  الأصدقاء القدامى ثمّة أشخاص تكون لنا معهم صداقة لسبب كبير وحيد، لكننا كثيرًا ما نتجاهله أو لا نقيم له وزنًا: عندما نكون مع صديق قديم، نستط...