Monday, August 17, 2026

جمال معماري عقيم؟

Leandro Bassano, La Riva dei Schiavoni a Venezia


إن من يجعلون الجمال المعماري عمل حياتهم كلها مدركون أحسن إدراك كم يمكن أن يكون مسعاهم عقيمًا. فبعد دراسة شاملة لمباني مدينة البندقية، وفي لحظة تجلٍّ محبطة، أقر «جون روسكين» بأن قلة من أهل البندقية تبدو، في واقع الأمر، مرتقية بفعل العيش في تلك المدينة التي قد تكون أجمل «نسيج» حَضَريّ في العالم بأسره. وصف روسكين كنيسة القديس مارك في كتابه «حجارة البندقية» بأنها «كتاب صلاة يومي، صحيفة قدّاس منيرة لا ضمن إطار ورقي، بل في إطار من مرمر، صحيفة مرصعة لا بجواهر بل برخام سماقي أحمر، مخطوط باطنها وظاهرها بحروف من ميناء وذهب».

إلا أن الناس على مقربة من تلك الكنيسة كانوا جالسين في المقاهي يقرأون الصحف ويتشمسون ويتشاجرون ويسرق بعضهم بعضًا، ومن فوقهم، أعلى سطح الكنيسة، «صور المسيح وملائكته تنظر إليهم» من غير حتى أن يلحظوها.

ستكون العمارة دائمًا قليلة القدرة على منافسة المتطلبات النفعية اللازمة للبشر لأن ما فيها من قوة يظل، أكثر الأحيان، غير قادر على التعبير عن نفسه، ويظل غير بالاعتماد عليه. فكم تصعب إقامة البرهان على جدوى الإنفاق على هدم شارع وضيع، لكنه صالح للاستخدام، ثم إعادة بنائه ليصير جميلًا! وكم يجد المرء نفسه في وضع صعب إذا اضطر إلى الدفاع عن منافع ضبط أعمدة النور المائلة في شارع، أو عن وجوب استبدال إطار نافذة غير متناسق، وذلك في مواجهة احتياجات أكثر ملموسية. ليس للعمارة الجميلة شيء من المنافع الواضحة التي لا لبس فيها كتلك المنافع التي نجدها في لقاح أو في قصعة أرز. من هنا، لن ترقى إقامتها إلى أن تصير أولوية سياسية كبرى؛ فحتى إذا أمكن تشكيل العالم الذي صنعه البشر كله –عبر تضحيات وجهود كبيرة جدًا– بحيث يصير مضاهيًا جمال ساحة القديس مارك، وحتى إذا استطعنا قضاء بقية أعمارنا في فيلا روتوندا، أو في «بيت البلور»، فسوف نظل أكثر الوقت في مزاج غير حسن.

- آلان دو بوتون، «عمارة السعادة»
- ترجمة: الحارث النبهان 

 


No comments:

Post a Comment

جمال معماري عقيم؟

Leandro Bassano, La Riva dei Schiavoni a Venezia إن من يجعلون الجمال المعماري عمل حياتهم كلها مدركون أحسن إدراك كم يمكن أن يكون ...